النويري
156
نهاية الأرب في فنون الأدب
مشهورون بالنجدة والبأس وعلوّ الصوت ومدارسة الحرب ، ومتى خرج واحد منهم فقتل هذا العلج لم يكبر ذاك ، وإن قتله العلج كان وصمة على العسكر قبيحة وثلمة لا تسدّ ، ونحن عامّة لم يرتفع لأحد منّا صوت إلا كما يصلح للعامّة ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخلينا نختار رجلا فنخرجه إليه ، فإن ظفر علم أهل الحصن أن أمير المؤمنين ظفر بأعرفهم « 1 » ، على يد رجل من العامة « 2 » من أفناء الناس ، وإن قتل الرجل فإنما استشهد ، ولم يؤثر ذهابه في العسكر ولم يثلمه رجل ، وخرج إليه بعده مثله حتى يقضى اللَّه ما شاء ، فقال الرشيد : قد استصوبت رأيكم هذا ، فاختاروا رجلا يعرف بابن الجزري « 3 » ، وكان معروفا في الثغر بالبأس والنجدة ، فقال له الرشيد : أتخرج ؟ قال نعم وأستعين باللَّه تعالى ، فقال « 4 » : أعطوه فرسا ورمحا وسيفا وترسا ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أنا بفرسي أوثق ، ورمحي بيدي أشد ، ولكني قد قبلت السيف والترس ، فلبس سلاحه واستدناه الرشيد فودّعه وأتبعه الدعاء ، وخرج معه عشرون من المطوّعة ، فلما انقضّ في الوادي قال لهم العلج - وهو يعدّهم واحدا واحد - إنما كان الشرط عشرين ، وقد زدتم رجلا ولكن لا بأس ، فنادوه ليس يخرج إليك إلا رجل واحد ، فلما فصل منهم ابن الجزري تأمّله الرومي ، وقد أشرف أكثر الناس من الحصن يتأملون صاحبهم والقرن « 5 » ، فقال له الرومي : أتصدقني عما استخبرك ؟ قال : نعم ، قال : أنت باللَّه ابن الجزري ؟ قال : اللهم نعم ، فكفر له ثم أخذا في شأنهما ، فتطاعنا حتى طال الأمر بينهما وكاد الفرسان يقومان ، وليس
--> « 1 » في المصدر السابق : بأعزهم . « 2 » ساقطة من ف ، ك . « 3 » هكذا في ف ، ك والأغانى ج 17 ص 47 وغير منقوط الكلمة في ص . « 4 » في ف ، ك : قال ، « 5 » القرن : بالكسر كفؤك في الشجاعة .